عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
265
اللباب في علوم الكتاب
تقول ما لك ألّا تفعل ، وإنما يقال : ما لك لا تفعل ؟ قيل : دخول « أن » وحذفها لغتان صحيحتان ، فالإثبات كقوله تعالى : ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [ الحجر : 32 ] ، والحذف كقوله تعالى : وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ الحديد : 8 ] وقال الفراء : الكلام هاهنا محمول على المعنى ؛ لأن قولك : ما لك لا تقاتل ؟ معناه : ما يمنعك أن تقاتل ، فلما كان معناه المنع حسن إدخال « أن » فيه كقوله ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ ص : 75 ] وقوله : أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [ الحجر : 32 ] ورجح الفارسي قول الكسائي على قول الفراء . قال : لأن على قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر تقديره ما يمنعنا من أن نقاتل فإذا كان لا بد من إضمار حرف الجر على القولين ، فعلى قول الكسائي يبقي الإضمار على ظاهره وعلى قول الفراء لا يبقى ، فكان قول الكسائي أولى . الثاني : مذهب الأخفش أنّ « أن » زائدة ، ولا يضرّ عملها مع زيادتها ، كما لا يضرّ ذلك في حروف الجر الزائدة ، وعلى هذا فالجملة المنفيّة بعدها في محلّ نصب على الحال ، كأنه قيل : ما لنا غير مقاتلين ، كقوله : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [ نوح : 13 ] وَما لَنا لا نُؤْمِنُ [ المائدة 84 ] وقول العرب : « ما لك قائما » ، وقول اللّه تعالى : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [ المدثر : 49 ] وهذا المذهب ضعيف لأنّ الأصل عدم الزيادة ، فلا يصار إليها دون ضرورة . الثالث : - وهو أضعفها - وهو مذهب الطبري أنّ ثمّ واوا محذوفة قبل قوله : « أن لا نقاتل » . قال : « تقديره : وما لنا ولأن لا نقاتل ، كقولك : إياك أن تتكلّم ، أي : إياك وأن تتكلم ، فحذفت الواو » وهذا كما ترى ضعيف جدا . وأمّا قوله : إنّ قولهم إياك أن تتكلم على حذف الواو ؛ فليس كما زعم ، بل « إياك » ضمّنت معنى الفعل المراد به التحذير ، و « أن تتكلم » في محلّ نصب به تقديره : احذر التكلم . قوله : « وَقَدْ أُخْرِجْنا » هذه الجملة في محلّ نصب على الحال ، والعامل فيها : « نقاتل » ، أنكروا ترك القتال وقد التبسوا بهذه الحال . وهذه قراءة الجمهور ، أعني بناء الفعل للمفعول . وقرأ عمرو « 1 » بن عبيد : « أخرجنا » على البناء للفاعل . وفيه وجهان : أحدهما : أنه ضمير اللّه تعالى ، أي : وقد أخرجنا اللّه بذنوبنا . والثاني : أنه ضمير العدوّ . « وأبنائنا » عطف على « ديارنا » أي : ومن أبنائنا ، فلا بدّ من حذف مضاف تقديره :
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 103 . ( 2 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 331 ، والبحر المحيط 2 / 265 ، والدر المصون 1 / 600 .